La Traviata

Hello world!

Welcome to WordPress.com. This is your first post. Edit or delete it and start blogging!

حقائق معتمة!

افتتاحية صفحة العلم والتكنولوجيا: جريدة “الشروق الجديد”

العدد 31  بتاريخ الأربعاء 3 مارس 2009

 

حقائق معتمة!

 

مضى من السنة الدولية لعلم الفلك شهران، دون أن نسمع عن اهتمام يذكر بها من جانب أجهزة الإعلام والثقافة والتعليم والبحث العلمى فى بلادنا؛ إذ يبدو الاهتمام بعلم الفلك وكأنه “ترف” لا يستقيم وهموم الوطن، أو هكذا ترسخت الفكرة فى العقل الجمعى المرهق، الذى لا يكاد يجد علاقة تربط بين هذا العلم – الذى يراه البعض ترفياً – وبين مشاكل الواقع التى صارت تحاصرنا فى اليقظة وفى المنام  … فى طابور “العيش” وفيما يطالعنا من أخبار يظنها البعض منا أخبار حرب البسوس! فنسينا تحت ضغوط واقعنا المعتم هذا أننا نعيش على “كوكب” يسبح فى الفضاء، كما ننسى – من كثرة ما هجرنا المتن واعتدنا حياة الهوامش – أن فى أحضان علم الفلك تجتمع كل العلوم أو تكاد!

بعض الأرقام غير الصفرية التى غمت علينا قد تكون ضرورية لتحرير عقلنا الجمعى من وهم “الترف” الذى نظنه حال دراسة علم الفلك، ولا نظنه حال ما استهلكنا فيه طاقتنا من أمور أخرى لم نحصد من ورائها – حتى وإن فزنا فيها – إلا الأصفار! فثلاثة أرباع الكون الذى نعيش فيه يتكون مما يعرف بالطاقة المعتمة، وهى نوع غامض من الطاقة، ليس شبيهاً بما نعرف من مصادر الطاقة على الأرض، وهذه الطاقة المعتمة هى المسؤول عن دفع الكون نحو التمدد والاتساع، منذ نشأته وحتى الآن؛ كما أن 23% من الكون – أى أقل قليلاً من الربع – يتكون مما يعرف بالمادة المعتمة، وهى أيضاً مادة غامضة، ليست كالمواد الذرية، أى المكونة من ذرات العناصر الكيميائية التى نعرفها على الأرض؛ وإنما رصد العلماء هذه المادة المعتمة برصدهم حقول الجاذبية مجهولة المصدر، مما لا يمكن أن ينشأ – بقوانين الفيزياء الفلكية – إلا بسبب وجود “مادة” ما!

فإذا علمنا – ونحن خارج السرب – أن إسرائيل تشارك العالم من حولنا فى البحث عن طبيعة الطاقة والمادة المعتمتين، اللتين تشكلان معاً نحو 98% من الكون الذى تسبح فى فضائه الأرض التى نعيش عليها، فإنه لا يتبقى لنا من الكون ما ندرس طبيعته إلا الفتات، هذا بافتراض أننا نملك كل أسباب العلم بهذا الفتات، وهو ما لا تجرؤ على الادعاء به حتى الولايات المتحدة الأمريكية نفسها!!

مفترق طريق

افتتاحية صفحة العلم والتكنولوجيا: جريدة “الشروق الجديد”

العدد 24  بتاريخ الأربعاء 24 فبراير 2009

 

مفترق طريق

 

ليست هذه الصفحة ملكاً لمحررها، وإنما هى ملك لقارئ ربما يتوقع من الصفحة غير ما يحسبه المسؤول عن تحريرها؛ فقد يرى صاحب القلم، الذى يكتب، أن أخبار العلم والتكنولوچيا لا تنفصل عن حركة الأفكار التى جعلت طريق العلم مطروقة وجعلت صناعة التكنولوچيا ممكنة، بينما يرى صاحب العين، التى تقرأ، غير ما قدره صاحب اليد التى تكتب؛ وبقدر ما يحرص المسؤول عن الصفحة على السير فى دروب غير مطروقة، بقدر ما هو حريص على احترام القارئ، فلا يأخذه عنوة إلى طريق لا يريدها ولا هو يبحث عنها.

لسنا نجهل أن المناخ العام الذى نعيشه قد أسس لعلاقة احتفالية بالعلم، ولعلاقة استهلاكية بالتكنولوچيا؛ حتى لقد منحنا زويل قلادة النيل لأنه فاز بجائزة نوبل، ولم نمنحه إياها لأننا نهتم بما يبحث فيه! وقد نردد بغير وعى ما ينطق به الرجل فى لقاءاته الإعلامية، فمن قائل بأنه “اخترع” الفمتوثانية، إلى قائل بأنه “اكتشفها”، بينما الرجل لم يخترع وحدة الزمن هذه، ولا هو اكتشفها؛ وإنما بحث زويل فى سلوكيات وتفاعلات للطبيعة، تحدث فى زمن لا يزيد عن جزء من ألف مليون مليون جزء من الثانية، هو الفمتوثانية، تماماً كما أن السنتيثانية هى جزء من مئة جزء من الثانية، والملليثانية هى جزء من ألف جزء من الثانية، والمايكروثانية هى جزء من مليون جزء من الثانية، والنانوثانية هى جزء من ألف مليون جزء من الثانية، والپيكوثانية هى جزء من مليون مليون جزء من الثانية!

لهذا تحديداً تأخرنا وتقدم غيرنا، فنحن مازلنا “نحتفل” بالعلم ولا نؤمن به، و”نستهلك” التكنولوچيا ولا نفهمها، بينما غيرنا – فى إسرائيل وفى غيرها – يؤمنون بالعلم فيدرسون فلسفته، ويتطلعون إلى التكنولوچيا فيفتشون فى أسرار الزمان والمكان؛ ومن ثم فقد نرانا فى مفترق طريق نختار بين اتجاهين، أحدهما يهتم بالعلم والتكنولوچيا دونما انزعاج بما يؤطرهما من أفكار، والآخر يهتم بهما فى سياق فهم تفاعلات الزمان والمكان والإنسان؛ وقد نريد لقارئ الصفحة أن يكون هو صاحب الاختيار، فهو صاحب المصلحة فيه، بأن يرسل إلينا بما يراه إيجابياً فيما تنشره صفحتنا، وبما يراه سلبياً فيها، وعما ينتظره منها فى إصداراتها القادمة، ويشرفنا استقبال هذه الآراء على العنوان التالى:  

S c i .T e c h @ y m a i l . c o m

هولوكوست الحقيقة!

صفحة الرأى: جريدة “الشروق الجديد”

العدد 23  بتاريخ الثلاثاء 23 فبراير 2009

 

 

رداً على مقال “الهولوكوست حقيقة”:

 

هولوكوست الحقيقة!

 

بقلم

حازم حسنى

 

أعلم أن كل رأى ينشر بهذه الصفحة لا يعبر إلا عن موقف صاحبه، بيد أن معرفتى بهذه الحقيقة لم تنجح فى امتصاص صدمة العنوان الذى طالعتنى به صفحة “آراء” صباح يوم الخميس 19 فبراير 2009، فقد كان نص العنوان هو “الهولوكوست حقيقة”! هكذا بكل هذا الحسم جاء العنوان بمبتدأ “الهولوكوست” ليزف إلينا خبره، أعنى كونه “حقيقة” تتحدى عجز المؤرخين عن العثور على وثيقة نازية واحدة توثق للمحرقة أو لما ظلت آلة الصهيونية العالمية تروج له من وجود “حل نهائى” اعتمده هتلر لتصفية اليهود!

حسم صاحب المقال إذن ما حار فيه أساتذة “علم” التاريخ فى الغرب، قبل نظرائهم فى الشرق، فلم يعثروا له على أثر، اللهم إلا بمقدار ما عثر “علماء” الآثار على أطلال “هيكل سليمان”! تابعت المقال علنى أجد فيه حقائق “تاريخية” جديدة تحسم القضية المفتوحة على استحياء فى دهاليز العلم الخلفية، فلم أجد إلا آثار “الطيبة المصرية” التى تذكرنى بذلك الدب “الطيب” الذى أبعد الذبابة عن صاحبه بأن هشم رأسه! ولولا هذه الرأس التى أخشى عليها من حجر “النوايا الطيبة” لما أزعجت القارئ الكريم بهذا المقال.

بداية – وكى لا ينجرف بنا الظن بعيداً عن مقصد المقال – أؤكد بأن قتل أى نفس بشرية بغير الحق هو عمل إجرامى حتى ولوكانت الضحية نفساً واحدة لا غير، كما أؤكد أن الدعوة لاضطهاد اليهود لمجرد أنهم ينتمون لثقافة مغايرة هو فعل غير حضارى يجب الوقوف فى مواجهته بكل حزم؛ فكل شعب له حق الوجود الإنسانى مثل غيره من بنى البشر، وليست له – فى نفس الوقت – حقوق أخلاقية تتجاوز حقوق غيره؛ ومثلما لا يوجد فى دماء اليهود ما يهبط بهم عنصرياً إلى مرتبة دون مرتبة الإنسان، فإنه لا يوجد فيها أيضاً ما يرتفع بهم إلى مرتبة تعلو مرتبته.

تأسيساً على هذه المبادئ الإنسانية العامة فإنه ليس فى نيتى أن أدافع عن النازية، كما ليس فى نيتى أن أنكر ما “يدعيه” اليهود من معاناة يرون أنهم عاشوها بسبب ما “يدعونه” من تاريخية المحرقة؛ وأستخدم هنا لفظ “الادعاء” بالمعنى القانونى للكلمة، فاليهود أصحاب “قضية” يختصمون فيها ألمانيا النازية، وقد يختصمون فيها أيضاً روسيا القيصرية، وبعض البلدان الأوروپية الأخرى؛ ولأهل هذه البلدان التى يختصمها اليهود أن يعترفوا بالمحرقة أو أن ينكروها، فهم “المدعى عليهم” لا نحن، وهذا شأنهم لا شأننا؛ لكن الأمر يبدو لى طريفاً حين لا يكتفى اليهود فى هذه “القضية” بدور الادعاء وإنما يتجاوزونه إلى دور الشهود وقاضى الأحكام وقاضى التنفيذ فى آن واحد، كما يبدو الأمر لى أكثر طرافة حين يطلب اليهود من شعوب ليست طرفاً فى هذه المحرقة، ولا هى كانت شاهدة عليها، بأن “تعترف” بالمحرقة، إذ لا أعرف فى هذه الحالة ماذا يعنى فعل “الاعتراف”!

“الاعتراف” كما نعرفه لغوياً إنما يعنى – ببساطة – أننا نقر بالجرم، وبأننا ضالعون فيه؛ بينما يعرف اليهود أكثر من غيرهم أنهم عاشوا بين ظهرانينا طوال قرون لا يضطهدهم إنسان فى بلادنا، وإنما كان منهم الوزراء، وكان منهم أرباب التجارة والمال، بل وكان منهم أهل الفن والفكر فى بلادنا، ولم يحدث أن منع المصريون مواطنيهم اليهود من إقامة معابدهم فى قلب العاصمة المصرية؛ وحتى فى أوج المد الناصرى فى مصر كان هناك فنانون يهود يعتلون خشبة المسرح المصرى، وتظهر أسماؤهم على شاشة السينما المصرية، ويصفق لهم جمهور المصريين استحساناً، ولم يحدث أن أصدرت مصر يوماً قراراً بالتمييز السلبى ضد اليهود، أو بإبادتهم، أو بنفيهم خارج البلاد.

الأمر إذن باختصار لا يعنينا، فلسنا فى منصة الادعاء، ولا نحن فى زنزانة الاتهام، ولا نحن مطلوبة شهادتنا فى جريمة لم نشهدها ولا علم لنا بها إلا بما يقول به أصحاب “الادعاء”! “الاعتراف” هنا يكون اعتراف “شاهد ما شافش حاجة”، ويجعلنا مجرد أمة مغلوبة على أمرها، تساق إلى المحكمة لتشهد بما لا تعرف خوفاً من أن “تلفق” ضدها تهم لا تعرف عنها شيئاً! وإذا لم تكن قضية الهولوكوست قضيتنا، فما هو معنى أن نتورط فيها إنكاراً أو اعترافاً؟! وما هو مبرر ضمها – قبولاً أو رفضاً – لقاموس الحقائق العلمية التى نتعامل معها؟!

أطرف من ذلك كله قول صاحب المقال – بكل “طيبة” المصريين – إنه “لا التشكيك فى عدد الضحايا يمحو عقدة الذنب الأوروپية والتعاطف مع إسرائيل، ولا نفى الرواية من أصلها يعيد أرض فلسطين المسلوبة إلى أصحابها”؛ ودعونا نسأل صاحب المقال – بكل التقدير لحسن نواياه – وهل التأكيد بأن الهولوكوست “حقيقة” يعيد أرض فلسطين لأصحابها؟ وهل عدم التشكيك فى عدد الضحايا ينهى حالة التعاطف الدولى مع إسرائيل، أو هو – إذا شئنا دقة التعبير – “الدعم” الدولى لها؟!

الأطرف من كل هذا هو دعوة صاحب المقال – بكل “طيبة” المصريين – لأن يتولى تحالف دولى محايد مهمة التحقيق والتوثيق والاتهام، وألا تنفرد بذلك منظمات صهيونية تخصصت فى إحاطة جريمة الهولوكوست بهالة القدسية التى تبعدها عن متناول البحث والتدقيق التاريخى! والسؤال هنا هو كيف سيتم تكوين هذا التحالف الدولى المنشود لتناول قضية الهولوكوست فى قاعات التوثيق والتدقيق العلمى دون أن يعنى ذلك ضمنياً – وفق أبسط قواعد البحث العلمى – الإقرار بحق الشك فى صدق الرواية التى جعلها صاحب المقال “حقيقة” دون أى تمحيص علمى! وهل تسمح الأوضاع الدولية الشاذة بقيام جهة علمية ببحث محايد عن “تاريخية” المحرقة النازية، أو عن “حقيقة” عدد ضحايا المحرقة، دون اتهام هذه الجهة العلمية بمعاداة السامية؟

خطورة العنوان الذى اختاره صاحب المقال، أعنى دعوته لنا للاعتراف المجانى بأن “الهولوكوست حقيقة”، لا تكمن فى حقيقة رواية المحرقة من عدمها، فالأمر كما أسلفت لا يعنينا؛ وإنما تكمن خطورة العنوان فى كونه يدعونا ضمنياً لأن ننصب محرقة للحقيقة العلمية ذاتها؛ فالحقيقة العلمية لا تقوم بقانون يصدر عن جهة تشريعية، ولا هى تقوم باعتراف شهود تحت الإكراه لم يحضروا الواقعة؛ وسواء كان موضوع الحقيقة العلمية هو التاريخ أو الجغرافيا أو الآثار أو الأنثروبولوچيا، أو مزيج من كل هذا مجتمعاً كما هو حال الظاهرة الإسرائيلية، فإن مكان البحث فيها هو قاعات العلم، بحياد ودون أحكام مسبقة؛ أما الوقائع التى ترقى لمرتبة “الحقيقة” قبل البحث فيها فهى تدخل فى نطاق ما كتبه صاحب المقال نفسه فى نهاية مقاله، أعنى إقراره بأن إسرائيل ماضية فى خطة لا تقبل الشك لتطبيق نظرية الحل النهائى على شعب فلسطين، وقد أضيف من عندى أن “الحل النهائى” الذى تريده إسرائيل لا يتناول الشعب الفلسطينى وحده، وإنما هو أكثر طموحاً من هذا بكثير!

بصدور قرار التقسيم سنة 1947 امتلكت إسرائيل شرعية قانونية، لكنها بقيت – رغم قرار التقسيم – تفتقر إلى شرعيتين لا يمكن لأى قرار دولى أن يمنحها أياً منهما، أعنى الشرعيتين التاريخية والأخلاقية؛ فإذا نحن “اعترفنا” بالمحرقة، كما يدعونا إلى ذلك صاحب المقال، لكان هذا بمثابة منحة مجانية لإسرائيل تكسبها شرعية أخلاقية هى تفتقر إليها منذ مذابح دير ياسين وما قبلها وما بعدها؛ ودعونا نسأل أنفسنا سؤالاً متواضعاً عن ماذا لو أن إسرائيل – ومن يقف وراءها – تبنوا قراراً يقول بـ “حقيقة” أن إسرائيل فى دير ياسين إنما كانت تدافع عن نفسها فى مواجهة محرقة كان يدبرها العرب ضد اليهود؟! وماذا إذا صدر قرار بأن هيكل سليمان “حقيقة تاريخية”، أو بأن لإسرائيل حقاً تاريخياً وأخلاقياً يمنحها حق السيادة على الأرض الممتدة من الفرات إلى النيل، ومن ثم يعتبر حروبها ضد مصر وغيرها من بلدان شرق المتوسط حروب تحرير لا اغتصاب، فهل سنعترف بهذه “الحقائق” حتى نكتسب “مصداقية” فى مخاطبة العالم؟

إذا كان للمقال الذى استفزنى عنوانه من فائدة – وفائدته مؤكدة – فهى كونه دعوة مفتوحة لمناقشة رؤيتنا لأبعاد حركة التاريخ التى تكاد آلتها تطحن عظامنا دون ان ندرى؛ فلنحدد إذن – ولكن بعد تقليب الأمور وحرث أرض الأفكار – ما هى حقائق حركة التاريخ، وما هى أوهامها؛ ولتكن لدينا شجاعة الاعتراف بأخطائنا إن وجدت، شرط أن لا يكون من بين هذه الأخطاء أننا لم نشارك بالقدر الكافى فى محرقة “الحقيقة”؛ فالحقيقة هى كل ما سيبقى لنا إذا ما استمرأنا ما نحن فيه، وضاع منا بالتبعية كل ما عداها.

الحقيقة العلمية الأجدر بأن نلتفت إليها وبأن “نعترف” بها هى حقيقة ما تقول به أرض واقعنا المهين، حتى صرنا نرفض ما يجب أن نقبل، ونقبل ما يجب أن نرفض، وندعو لقبول “حقيقة” ليس عليها برهان، وندحض “حقائق” يؤيدها ألف برهان! حتى لقد صرنا نجرم من يتعامل مع الحقائق العلمية التى تنتجها معاهد العلم فى إسرائيل بحجة رفض التطبيع، وندعو للاعتراف بادعاءات الدعاية الصهيونية فنرقى بها إلى مرتبة “الحقيقة” العلمية! وكأننا مصرون على أن تكون سيرتنا فى التاريخ كسيرتنا فى شوارعنا، دائماً عشوائية، وفى كثير من الأحيان عكس الاتجاه!

أزمة الزمان والمكان

 

افتتاحية صفحة العلم والتكنولوجيا: جريدة “الشروق الجديد”

العدد 18 بتاريخ الأربعاء 18 فبراير 2009

 

أزمة الزمان والمكان

 

على غير عادة الناس فى بلادنا هذه الأيام، أعيش فى سلام دائم بين العقل والوجدان؛ فلا أنا على جفاء مع الدين، ولا أنا فى خصومة مع العلم! بعض الناس يحسبون أنفسهم فى حالة السلام تلك إن هم عاشوا حالة فصام ذهنى، فيحدثونك بحديث العلم وكأنهم من أهله، ويتعاملون مع آثاره وكأنهم من مشايعيه؛ ثم تراهم وقد تغير السياق يحدثونك بما يناقض منطق العلم، ويستدعون قالات الأقدمين وكأنها اللوح المحفوظ! فتحسبهم أيقاظاً وهم رقود، وتحسبهم يريدون المستقبل وهم يغادرون الزمان استدباراً مسافة عشرة آلاف عام أو يزيد! البعض الآخر يظنها حالة سلام حين يخلط الأوراق، فيجعل من قالة العقيدة نظرية علمية، ويجعل من قالة العلم برهاناً على صدق العقيدة! كلاهما يعيش حالة “مناورة” لا حالة “سلام”، والمناورات لا تلبث أن تستنفد شروط نجاحها، وعندئذٍ يتصادم العلم والدين من جديد.

فى حالة السلام الحقيقى لا يفترق العلم والدين، ولا تختلط أوراقهما؛ فالعلم والدين يلتقيان بالضرورة فى حديقة الفلسفة، لا فى دور العبادة، ولا فى قاعات العلم؛ إذ يشترك العلم والدين فى كثير من الأسئلة الكلية، وقد يلتقيان حتى فى كثير من الإجابات الكلية المرحلية؛ بيد أن الأزمة إنما تنشأ حين تبدأ دور العلم فى طرح الأسئلة الجزئية على الدين، وتفرض دور العبادة إجاباتها الجزئية على العلم! كلاهما مخطئ من حيث ظن نفسه على صواب.

ظن بعض أهل الدين وبعض أهل العلم أن حديث “التطور” ينفى بالضرورة حديث “الخلق”، وكلهم أخطأ التشخيص؛ فأزمة داروين الحقيقية ليست فى قوله بالتطور، وإنما هى فى علاقة التطور المعقدة بالمكان والزمان؛ إذ لا يمكن فهم نظريته، ولا فهم كل التطور العلمى الذى سبقها أو أعقبها، بل ولا معنى لنظريته أصلاً إذا نحن حررنا مفهوم “التطور” من مفهومى الزمان والمكان؛ تماماً كما لا يمكن فهم معنى “الخلق” إذا نحن جعلنا الخالق يشاركنا زنزانة وجودنا، وإذا نحن فرضنا عليه قيودها، وجعلنا إرادته سبحانه وتعالى مشروطة بزمانها ومكانها، فما بالك بزماننا ومكاننا؛ إذ الله مطلق ليس كمثله شيئ، أما الزمان والمكان فنسبيان، وداروين – ككل العلماء – كان يتعامل مع النسبى لا مع المطلق.

الرمز والمعنى

 

 

افتتاحية صفحة العلم والتكنولوجيا: جريدة “الشروق الجديد”

العدد 11 بتاريخ الأربعاء 11 فبراير 2009

 

الرمز والمعنى

 

تحت رعاية اليونسكو، بالاشتراك مع الاتحاد الدولى لعلم الفلك، يحتفى العالم طوال هذا العام 2009 م بعلم الفلك، بمناسبة مرور أربعة قرون كاملة على استخدام جاليليو الجليلى لتيليسكوبه فى مراقبة السماء؛ كما أطلق اليونسكو مبادرة لتعريف الجمهور العام بالتراث الفلكى؛ وتستهدف المبادرة – فوق التعريف بهذا التراث – حث الدول على تسجيله، والمحافظة عليه، والإفادة منه فى صنع السياسات العامة ودعم خطط التنمية المستدامة.

كعادتنا، قد يبدو الأمر للكثيرين من صانعى السياسات العامة فى بلادنا وكأنه هرطقة فكرية، إذ قليلاً ما ربط هؤلاء بين خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبين العلم بشكل عام، فما بالنا بمبادرة تريد لهذه التنمية أن ترتبط بعلم الفلك! وقد يرى الكثيرون من هؤلاء فى مبادرة اليونسكو بهذا الشأن استفزازاً لقدراتهم العقلية، وتحدياً لرؤى استقرت على أن التنمية لا تجوز بالعلم وإنما هى تجوز فقط بالحكمة، وكأن الحكمة تجوز بغير العلم، وكأن العلم لا يقوم على العلم ولا يقود إليه!

فى كل أنحاء العالم سيستكشف الجميع – من كل الأعمار، ومن كل المستويات الاجتماعية والثقافية – خرائط السماء، فى الوقت الذى ما زلنا نستكشف فيه نحن ما فرض علينا من خرائط الطريق! وبقدر ما نجح أصحاب خرائط السماء فى فتح المعابر نحو المستقبل، بقدر ما فشل أصحاب خرائط الطريق – المصرية والعربية – فى معرفة أى المعابر يؤدى إلى دولة الخلافة البائدة، وأيها يؤدى إلى الدولة الحديثة الضائعة!

حاولنا أن نعرف أين تقع مصر على خريطة الاحتفاء بالسماء هذا العام فلم نجد إلا موقعاً تعده مكتبة الإسكندرية عن مؤتمر علمى تعقده بمبنى المكتبة “الجمعية الأوروبية لعلم الفلك فى الثقافة”، وذلك فى الفترة من 25-31 أكتوبر 2009 م؛ وهو بهذه الصفة ليس حدثاً مصرياً، كما أنه لا يخدم الجمهور المصرى العام، ولا يملك إقناع صانعى السياسات العامة فيها بأهمية علم الفلك فى التنمية المستدامة!  أما مؤسساتنا الدينية فمهمومة بقضايا النقاب والطلاق، وأما وزارة الثقافة فمشغولة بترشيح وزيرها لإدارة اليونسكو – رغم أنه لم يفعل شيئاً لتحقيق أهداف مبادرتها ولو على المستوى المحلى! وأما وزارة التربية والتعليم فغارقة فى مشاكل الكادر، وأما وزارة التعليم العالى والبحث العلمى فمنهمكة فى تحقيق الجودة، وأما وزارة الإعلام فمشغولة بالرمز، ولم تستوعب بعد معنى السماوات المفتوحة، ومن ثم فهى لا ترغب بعد ورطتها مع هذه السماوات فى أن تتورط مع خرائطها!

العلم والمجتمع

افتتاحية صفحة العلم والتكنولوجيا: جريدة “الشروق الجديد”

العدد 4 بتاريخ الأربعاء 4 فبراير 2009

 

العلم والمجتمع

 

أدى باراك أوباما اليمين الدستورية ليتولى رسمياً مهامه الرئاسية، وهو حدث لا يهتم به أهل السياسة والاقتصاد السياسى وحدهم، وإنما يهتم به أهل العلم والتكنولوچيا أيضاً؛ فالرئيس الأمريكى الجديد، بحكم القوة الحضارية لبلاده، قادر على توجيه سفينة العلم والتكنولوچيا، ورسم خرائط مساراتها، لا فى بلاده وحدها وإنما على امتداد العالم كله؛ وقد احتل حديث العلم والتكنولوچيا فى خطاب أوباما السياسى ما هو غير قابل للمقارنة مع مضمون الخطاب الفقير لسلفه الذى يترك منصبه الرئاسى وبلاده تشهد تراجعاً خطيراً فى هيبتها العسكرية، وقدرتها الأمنية، وأدائها الاقتصادى، كما تشهد انحداراً فى الخدمات العامة، وتجاهلاً غير مسؤول لقضايا البيئة.

بيد أن هناك تخوفاً من أن تؤدى الأزمة المالية لكبح جماح طموحات أوباما العلمية، ذلك أن ابتلاع البورصة لمئات المليارات من شأنه أن يؤثر على مجالات الإنفاق الأخرى ومن بينها البحث العلمى، غير أن أوباما يميل لعدم الانشغال باستثمارات البورصة على حساب الاستثمار فى العلوم والتكنولوچيا، الذى يعتبره “استثماراً فى المستقبل”، وقد أكد فى كلمته التى ألقاها يوم الخميس 8 يناير 2009، عن سياسته لمواجهة الأزمة المالية الطاحنة، على أن مجالات التعليم ودعم البحث العلمى والتطوير التكنولوچى هى مجالات الإنفاق الرئيسة التى يمكنها – على المديين المتوسط والطويل – إخراج بلاده من المحنة التى تمر بها نتيجة أخطاء متراكمة لسياسات الإنفاق العام التى اتبعتها إدارة سلفه، وهو يرى أن الإنفاق فى مجالات وثيقة الصلة بهذا الثلاثى -  التعليم ودعم البحث العلمى والتطوير التكنولوچى – هو استثمار يعمل لصالح الأمة فى السراء والضراء، على عكس استثمارات وول ستريت التى تعمل فى السراء لحساب أصحاب المليارات وتعمل فى الضراء على حساب دافعى الضرائب!

رؤية أوباما العلمية صاغتها حركة شارك فى تفعيلها عشرات الآلاف من المهمومين بقضايا العلم، وبالعلاقة الوطيدة بينها وبين قضايا المجتمع؛ وعلَّنا نتعلم من قراءتها كيف تنضبط حركات الاحتجاج والتغيير، فى عالم هو بصدد التخلص من عباءاته القديمة، وتنقية رؤاه، وتجديد دماء سياساته؛ فإن لم نتعلم من الذين يتعافون من أمراضهم، فلا نلومن غيرنا إن نحن فقدنا الطريق، أو إن نحن متنا بتصلب السياسات!

 

أطفال الإنترنت والاغتراب عن الواقع

معرض القاهرة الدولى للكتاب، 27 يناير 2009

 

أطفال الإنترنت والاغتراب عن الواقع

 

تعود بدايات تكنولوجيا الحاسبات إلى بداية فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن الاهتمام بالجوانب الاجتماعية لهذه التكنولوجيا لم يبدأ إلا بعد هذا التاريخ بأكثر من ثلاثة عقود، أى مع نهاية عقد السبعينات وبداية عقد الثمانينات من القرن العشرين الميلادى، تزامناً مع بدايات التعامل مع الحاسبات “الشخصية” التى أخرجت تكنولوجيا المعلومات من مراكز البحث العلمى ومؤسسات الأعمال والهيئات الحكومية إلى الفضاء الإنسانى الاجتماعى العام؛ وقد كان معهد ماساشوستس للتكنولوجيا  MIT  بالولايات المتحدة الأمريكية واحداً من رواد الاهتمام بالجوانب غير التكنولوجية للتكنولوجيا تأثراً بالحياة الإنسانية والاجتماعية وتأثيراً فيها، بل قد يكون هذا المعهد بالفعل هو المؤسسة الرائدة فى اقتحام هذا المجال البحثى البكر قبل أن يتنبه إلى أهميته الكثيرون داخل الولايات المتحدة وخارجها؛ وفى أحضان هذا المعهد العلمى المرموق تألقت شيرى تِركِل Sherry Turkle  بتأسيسها سنة 2001م لما يعرف بـمبادرة MIT حول التكنولوجيا والذات[1]، وهى جزء من برنامج متكامل يتبناه معهد ماساشوستس للتكنولوجيا عن “العلوم والتكنولوجيا والمجتمع”؛ وتقوم المبادرة على فكرة أساسية هى أن التكنولوجيا لا تؤثر فقط فى الطريقة التى نباشر بها حياتنا، لكنها تؤثر أيضاً فى الطريقة التى نباشر بها التفكير فى هذه الحياة؛ فالتكنولوجيا التى قامت عليها الإنترنت – وفقما يقول منطق المبادرة – قد أفرزت سياقاً جديداً لاستكشاف الذات الإنسانية ومحيط التفاعل الاجتماعى، وأنها مثل كل المستحدثات التكنولوجية الأخرى (كتكنولوجيا متناهيات الصغر[2]، والهندسة الوراثية، والتكنولوجيا الحيوية، والذكاء الاصطناعى) إنما تثير أسئلة جوهرية تتعلق بالذات والهوية والمجتمع، فضلاً عن السؤال الأهم حول معنى أن يكون المرء إنساناً.

وقد أصدرت “تِركِل” حتى قبل تأسيسها  لهذه المبادرة– وضمن إصدارات أخرى متعددة – كتابين هما العمدة فى بحث ظاهرة التغيرات التى أحدثتها على الذات الإنسانية – وما زالت تحدثها – التغيرات التكنولوجية، خاصة عند الأطفال: الكتاب الأول هو “الذات الثانية”[3] The Second Self   الذى ظهر سنة 1984م، ثم أعيدت طباعته مع مقدمة ثرية جديدة بعد نحو عشرين عاماً من طبعته الأولى فى 2005م؛ وكتاب “الحياة على الشاشة”[4]  Life on the Screen   الذى صدر سنة 1997م  ليستكمل دراسة وفهم التغيرات الإنسانية المصاحبة للتغيرات التكنولوجية المتسارعة.

فى مصر قامت محاولات فى جامعة القاهرة وفى غيرها لدراسة الأبعاد الإنسانية والاجتماعية لتكنولوجيا المعلومات والاتصال، بيد أن هذه المحاولات تعانى من التعنت الشديد داخل المؤسسة الأكاديمية المصرية التى ما زالت تعطى الاهتمام الأول للاستفادة مما يمكن أن تؤديه هذه التكنولوجيا من خدمات للمشتغلين بالعلوم، ومنها العلوم الإنسانية والاجتماعية، فى الوقت الذى قامت فيه مبادرة معهد ماساشوستس للتكنولوجيا – كما تؤكد “تِركِل” فى مقدمة الطبعة الجديدة من “الذات الثانية” – على ضرورة تجاوز ما يمكن أن تفعله (لنا) تكنولوجيا المعلومات والاتصال إلى ما يمكن لهذه التكنولوجيا أن تفعله (بنا)، وبخاصة بأطفالنا الذين يتشكل الوعى عندهم بمساعدة أدوات جديدة اشارت إليها “تِركِل” فى كتاب أخير قامت على تحريره مستخدمة مصطلح “الأشياء الموحية” أو “مستثيرات الذاكرة ومستحثات التفكير”[5]؛ ونفس هذا المصطلح، أعنى  Evocative Objects  ،  كانت “تِركِل” قد استحدثته فى الطبعة الأولى من كتابها عن “الذات الثانية” لتصف به الحاسبات باعتبارها “أجهزة تستثير الفكر وتستحث التأمل فى الذات “.

جهود “تِركِل” المتخصصة فى فهم تأثيرات تكنولوجيا المعلومات والاتصال على الذات الإنسانية، وعلى تشكيل هذه الذات – بل وحتى استكشافها أو إعادة استكشافها – عند الأطفال، تضاف إلى جهود أخرى لمنظرين مرموقين فى شتى مجالات الفهم الاجتماعى والثقافى لحضارة عصر المعلومات، نذكر منها – مثالاً لا حصراً – أعمال الإسبانى “مانيوِل كاستِلس”[6]،[7]،[8] ، خاصة فى ثلاثيته الشهيرة، والسلوڤينى “سلوڤوى زڄيڄِك”[9]، اللذين نظَّرا لمفاهيم كثيرة تتجاوز مفهوم “الواقع الخائلى” Virtual Reality  وبحث آثاره النفسية والثقافية والاجتماعية إلى مفهوم “الخائلية الواقعية” Real Virtuality وبحث تأثيراتها السياسية والاقتصادية، بل وتأثيرات هذا وذاك من المفاهيم التى استحدثها واقع تكنولوجيا المعلومات والاتصال على علاقة البالغين والناشئة بالواقع، بل وعلى تشكل صورة هذا الواقع فى إدراك أولئك وفى وعى هؤلاء.

جملة الأفكار الثورية التى أبدعتها “تِركِل”، وأبدعها أمثال “كاستلس” و” زڄيڄِك” وغيرهم من المهتمين بدراسة ما تفعله بنا الحاسبات، لا بما تفعله لنا، إنما يمكن تلخيص ما يخصنا منها فى هذه الورقة فى النقاط التالية:

·   أولاً: أن تكنولوجيا المعلومات والاتصال قد أفرزت جيلاً جديداً من الأجهزة وأشباه الأجهزة التى قد تكون فى جوهرها كغيرها من أجيال الأجهزة التى سبقتها مجرد جماد لا حياة فيه، لكنها تكاد – على عكس ما سبقها من أجيال تكنولوجية – تمتلك ذاتاً تخصها تنفصل عن ذوات صانعيها، أو هذا على الأقل ما يبدو لأذهان مستخدمى هذا الجيل الجديد من الأجهزة؛ بل هى تبدو من خلال خصائصها التفاعلية وكأنها تعى هذه الذات، أو هذا ما يترسخ فى نفس من تتفاعل معهم هذه الأجهزة وبخاصة الأطفال الذين يتشكل وعيهم من خلال مجالسة هذه الأجهزة أكثر من مجالسة ذويهم.

·   ثانياً: أن جسم الحاسب يؤدى وظيفة تكاد تشابه وظيفة جسم الإنسان من حيث هو مجرد وعاء لشئ معنوى ليست له أبعاد أو صفات فيزيائية، وأن التفكير التقليدى السائد بأن قيمة جهاز الحاسب هى فى أجلاده Hardware  إنما تنسحب تدريجياً أمام حقيقة كون القيمة الحقيقية للحاسبات تكمن فى وثارياتها  Software  التى تستخدم المكونات الفيزيائية فقط للتواصل مع عقل ونفس الإنسان من خلال مخاطبة حواس هذا الأخير؛ وكما أن حواس الإنسان هى مجرد أدوات استشعار Sensors  تشكل من خلال التعلم وعى الإنسان بما يحيط به، فإن أدوات استشعار الحاسب هى فى حقيقتها حواس تمكنه من خلال التعلم والتفاعل مع الإنسان من امتلاك درجة من درجات الوعى بما يحيط به من عناصر الوجود الإنسانى، وأن الحاسب ربما يكون قادراً من خلال عملية التعلم هذه على إدراك ذات الطفل الذى يتعامل معه بلا تحفظات، وبلا أحكام مسبقة تحدد طبيعة العلاقة بينهما، أكثر مما يدركها محيط الطفل الإنسانى ممثلاً فى أسرته أو مدرسته أو حتى مخالطوه من أترابه.

·   ثالثاً: أن الحاسبات وإن كانت قد بدأت باعتبارها كائنات فيزيائية جامدة تتم برمجتها من خلال تعليمات خطية تسير فى اتجاه التتابع – حتى وإن كان سريعاً – لمجموعة من التعليمات التى يترتب بعضها على بعض، إلا أن هذه الأجهزة قد تطورت بعد ذلك مع الوقت لتكون أشبه بمجتمعات من الوثاريات القائمة بذاتها، وهى مجتمعات تتفاعل مع بعضها البعض، بصورة غير خطية وغير تتابعية، فى عملية تشبه ما يتم داخل المجتمعات الإنسانية، كما هى تشبه إلى حد بعيد ما يحدث داخل عقل الإنسان إذا نحن اعتبرنا عمل المخ الإنسانى تفاعلاً مجتمعياً بين جمع كبير من الخلايا العصبية المدربة على استثارة بعضها البعض بما يناسب حجم ونوع المؤثرات التى تتعرض لها هذه الخلايا العصبية فى مجموعاتها المختلفة؛ وهذا التطور الذى صاحب الأجيال المتتابعة من الوثاريات هو الذى جعل الحاسبات قابلة ليس لتنفيذ التعليمات وحسب، وإنما أيضاً للتعلم وضبط السلوك بما يتوافق وطبيعة الظروف التى تتعامل معها؛ بل إن التطور الذى تم إنجازه بالفعل فى برمجة الحاسبات قد جعل من الممكن لهذا “التفاعل المجتمعى” بين الوثاريات داخل الحاسب أن يفرز أنماط سلوك وقدرة على الابتكار ورسم مسارات جديدة للتفاعل لم تتم برمجتها بشكل صريح، ولم تنتج عن عملية التعلم وحدها، ولم تخطر حتى على بال مصنعى هذه الأجهزة ومبتكرى وثارياتها، فى عملية أشبه بعملية النشوء Emergence  التى تتناولها نظرية التطور الداروينى! هذا التحور الذى يحدث لسلوك الحاسبات – خاصة من خلال التفاعلات واسعة النطاق بين الوثاريات والتطبيقات التى أتاحتها شبكة الإنترنت – قد يكون سبيلاً لنشوءِ مبتكَرٍ جديد مفيد للإنسان أو ضار به، بيد أن الشئ المؤكد هو أن قابلية الطفل للتعامل مع هذا الجديد بشكل إيجابى – ولا نقول بشكل مفيد بالضرورة – هى أكبر من قابلية البالغين للتعامل معه أخذاً فى الاعتبار الأحكام المسبقة والرؤى سابقة التجهيز التى تحكم مواقف البالغين من الجديد غير المألوف وغير المتوقع.

·   رابعاً: أن الإنسان بطبيعته – وخاصة فى مرحلة الطفولة – يرتبط عاطفياً بما يحيط به من الأشياء، حتى وإن كانت هذه الأشياء مجرد جماد لا حياة فيه ولا حس ولا إدراك؛ بل إن الإنسان – خاصة فى طفولته – إنما ينحو نحو التعلم لا عما يحب من الأشياء وحسب، وإنما هو ينحو أيضاً إلى التعلم من هذه الأشياء التى يحبها، فإذا ما تعلم منها زاد شغفه بها، حتى لتكتسب هذه الأشياء التى يتعلم منها الطفل مع الوقت قداسة تخصها، بل إنها تحتكر اهتمام الطفل تدريجياً حتى لتكاد تقطع الصلة بينه وبين ما عداها من مصادر التعلم وإن كانت مصادر إنسانية حية؛ فما بالنا والحاسبات وأجهزة تكنولوجيا المعلومات والاتصال عموماً هى – كما أسلفنا – ليست مجرد جوامد لا حياة فيها، وإنما هى تبدو فى مخيلة الطفل وكأنها كائنات تعى ما يطلب منها، وتتجاوب مع استجابة الطفل لما تطلبه منه هذه الأجهزة قبولاً أو رفضاً، بل هى تلاعبه ويلاعبها، وتستحث فيه التفكير وتبحر به فى فضاء موازٍ يكاد ينافس فضاءه الواقعى، حتى لتكاد تتحد ذات الطفل مع “ذوات” هذا الجيل من الأجهزة؛ أو كأنه ليس من ذات للطفل وذات للجهاز، وإنما هى ذات ثانية للطفل تستحث ذاته الأولى للتجاوب معها فى اتجاهات يكاد يعجز التربويون والمبرمجون عن استشرافها أو التنبؤ بها يقيناً أو حدساً.

·   خامساً: أن هذه المستحثات   Evocative Objects  تحمل بصفتها تلك أفكاراً تخصها، فعلى الرغم من بدايتها التى شهدت ضخ الإنسان أفكاراً من عقله إليها، فإن هذه الأفكار – التى تم ضخها من خلال “مجتمع الوثاريات” الذى يتفاعل فى داخلها – قد صارت جزءاً من عقل الجهاز وقد ابتعدت المسافة بينه وبين عقل المبرمج، بحيث ينطبق عليها – مع قليل من الاقتباس – القول المجازى الشائع بين المثقفين، أعنى “موت المؤلف” أو “موت المبرمج”، إذا جاز هذا الاقتباس وجازت هذه المقارنة؛ ومن ثم فإن الطفل الذى يتعامل مع هذه المستحثات ويتجاوب معها لا يخضع فى الواقع لأية أهداف تربوية كانت فى قصد وضمير المبرمج حين كان يكتب “وثارياته”، وإنما هو يتعامل مع أهداف تربوية “ناشئة”  Emergent  انبثقت من طبيعة التفاعلات “الوثارية” داخل الجهاز من ناحية، ومن طبيعة التفاعل بين الجهاز – بوثارياته – وبين الطفل وعقله القابل للتشكل من ناحية أخرى.

·   سادساً: أن هذه التكنولوجيات ذات التأثير على الذات الإنسانية، مما صار يعرف فى الأدبيات العلمية بتكنولوجيات الهوية  Identity Technologies  ، إنما تغير بطبيعتها من إحساس الإنسان بالممكنات بما يخالف ما يمليه عليه محيطه الاجتماعى من خرائط الممكن والمستحيل، ومن قوائم المسموحات والمحرمات؛ وهذا كله كفيل بأن يخلق لدى الإنسان شعوراً بوجود حياة موازية غير حياته الاجتماعية الإنسانية، كما يخلق لدى الطفل يقيناً بأن للممكن والمستحيل خرائط أخرى، وأن المحرمات أو الممنوعات – بريئة كانت أو شيطانية – قد تكون على قائمة ولا تكون على غيرها من القوائم، بل هى فى فضاء بعينه قد تكون مذمومة لكنها فى غيره من الفضاءات قد تكون مقبولة، أو حتى محمودة، والعكس بالعكس؛ فليس من ثابت فى خرائط الممكن والمستحيل داخل فضاء المعلومات، كما ليس من مطلق فى خرائط المسموح به والمذموم فى مثل فضاءات التفاعل الإنسانى هذه التى تخلقها خلقاً – أو هى تختلقها اختلاقا – جماعات المترددين على فضاء الإنترنتً.

·   سابعاً: أن تكنولوجيا المعلومات والاتصال وإن كانت قد ربطت بين الأفراد، ووصلت ما يكون قد انقطع بين المجتمعات، قد فرضت فى نفس الوقت نمطاً للتفاعل لا يكون بالالتقاء الحميمى المباشر بين أطراف الاتصال؛ بل إن هذا الاتصال قد يأخذ فى كثير من الأحيان موقفاً من هوية المتصلين بحيث يُجَهِّل تماماً أشخاص الاتصال، فلا يكاد يعرف بعضها بعضاً إلا بأسماء وهمية – أو هى فى الحقيقة أسماء مشفرة – لم تعد تسمح باكتشاف أطراف الاتصال الطبيعيين لبعضهم البعض؛ بل يتحول الكل فى فضاء المعلومات إلى أشخاص اعتبارية، ولا يكون من شخص طبيعى إلا شخص كل منا فى مواجهة ذاته، وهو أمر قائم بشكل خاص بالنسبة للطفل من خلال الألعاب الجماعية التى تشترك فيها أعداد غفيرة من اللاعبين المجهَّلين الذين يتفاعلون عبر شبكة الإنترنت، بحيث يكون الاقتراب من الآخرين عبر الشبكة اغتراباً عنهم فى نفس الوقت؛ ومن ثم يثور التناقض بين نجاح الإنترنت فى الربط بين البشر من ناحية، وبين نجاحها فى الفصل بينهم من ناحية أخرى؛ وعليه فإن السؤال المطروح – خاصة بالنسبة للطفل – هو هل تزيد شبكة الإنترنت من قدرة الطفل على الاتصال بأقرانه، أم أنها فى الحقيقة تفرق بينه وبينهم بشكل من الأشكال؟! بل قد يثور التساؤل حول ما إذا كان ذلك يفرق بينه وبين جيله إذا ما دخل الطفل فى علاقات عبر خطوط الاتصال مع بعض مدعيى الطفولة من أصحاب الهويات الاعتبارية، ثم هم يتصرفون كما لا يتصرف الأطفال، ويفكرون فى غير ما يفكر فيه الطفل، فهو وإن كان قد وجد رابطاً بينه وبين غيره من متعاملين بالغين يحسبهم الطفل أقرانه يكون قد انفصل فعلياً عن جيله لا عن أقرانه فحسب!

·   ثامناً: أن مبدأ الشفافية Transparency الذى تعتمده التكنولوجيا المعاصرة – خاصة تكنولوجيا المعلومات والاتصال – إنما يستند إلى ما أسسه التطور التكنولوجى من ثقافة جديدة تقوم على أن ليس من الضرورى أن يعرف المرء كيف يعمل الجهاز، وإنما يكفيه للتعامل مع منتجات التكنولوجيا الحديثة أن يعرف المرء كيف يجعل هذه الأجهزة تعمل؛ وهو مبدأ لم يكن ممكناً تأسيسه لولا التطور الذى حدث فى بناء الروابط البينية التى يعمل على جانبيها الإنسان والآلة Human/Machine Interface Systems ، فهى نظم تفصل بين الاثنين كما تربط بينهما فى آن واحد! بوجود نظم الربط البينى هذه لم يعد مفيداً لمستخدم الجهاز فى شئ إضاعة وقته وتبديد جهده وتشتيت ذهنه فى فهم أصول الأشياء، ولا فى إدراك مكوناتها، ولا تركيبة هذه المكونات، ولا كيف يعمل بعضها بصحبة بعض؛ وإنما صار يكفى المتعامل مع هذه الأجهزة أن يستكشف الإمكانات التى تتيحها نظم الربط البينى، وجميعها صار يستخدم من الأدوات السمعية والبصرية ما يجعل وظائفها تطفو على السطح فلا يحتاج المستخدم – حتى وإن كان طفلاً – للغوص وراء هذه الوظائف فى أعماق الجهاز أو فى أعماق مكوناته؛ فوظائف الأجهزة والوثاريات – بفضل هذه النظم المتطورة – قد صارت “شفافة” لا تحجبها عن المستخدم أسرار تكنولوجية، ولا معارف هندسية، ولا دراية يحتكرها أهل الصنعة كما كان الحال فى بدايات عمل الحاسبات؛ وهذه الشفافية وإن كانت قد أسهمت فى نشر ثقافة التعامل مع الحاسبات، ومع ما أنشأته من عالم – أو عوالم – الإنترنت، إنما أسهمت وبنفس القدر فى تعطيل بعض قدرات التفكير عند الطفل لحساب بعض قدرات التفكير الأخرى، إذ لم يعد الطفل قادراً أو راغباً فى معرفة ما وراء الأشياء، كما لم يعد قادراً على الربط “الموضوعى” بيينها، بعد أن صار يسبح فى عوالم “شفافة” تكفيه مشقة هذا البحث، وتمكنه من إنشاء عوالم تخصه ينشئها من وحى خياله دون ضوابط موضوعية تحكم هذا الخيال، حتى لقد صار الطفل – بشكل ما – يعيش مع الحاسبات حالة نفسية ووجدانية تشبه حالة الإدمان، لا من حيث التعود فحسب وإنما من حيث الاغتراب عن الواقع والإبحار فى واقع بديل متحرر من معظم قيود الضبط والإحكام الفكرى، ناهينا عن أن الخسائر فى هذا الواقع البديل يمكن دائماً تعويضها، فهى ليست خسائر بالمعنى التقليدى لمفهوم “الخسارة”، كما أن المكاسب ليست مما يمكن مبادلته خارج فضاء الواقع البديل، فهى ليست مكاسب بالمعنى التقليدى لمفهوم “المكسب”.

·   تاسعاً: أن نظم الربط البينى للإنسان والآلة قد صارت تعتمد أكثر فأكثر على لغة الإيماء والحركة، مثل النقر على الأيقونات، أو الضغط على الشاشة، أو تحريك أدوات التحكم فى مؤشر الشاشة cursor ، ومن ثم فلم تعد لمستخدم الحاسب عامة – وللطفل على وجه الخصوص – حاجة لإرسال تعليمات صريحة للجهاز ترتب له الخطوات التى عليه اتباعها لإداء عمل بعينه، مع كل ما يمكن ان يصاحب هذا الاستغناء عن التعليمات من استغناء عن “تحديد” نتائج عمل الحاسب، والقبول بالشكل الذى يستقر عليه الحاسب فى أداء عمله؛ ومن ثم يكاد يفقد الطفل سيطرته على الحاسب وعلى مسار رحلاته عبر فضاء الإنترنت، على الرغم مما قد يبدو ظاهرياً عكس ذلك؛ كما يكاد تأثير فضاء المعلومات هذا على وعى الطفل بذاته أن يكون غير قابل للاستشراف والتوقع، الأمر الذى قد يرجح حدوث طفرات مفاجئة فى وعى الطفل بحقيقة هذه الذات، مع كل ما يمكن أن يصاحب هذه الطفرات من سلبيات وإيجابيات، كلها غير خاضع لتحكم بيئة الطفل الاجتماعية، خاصة فى المجتمعات الآخذة فى النمو، وهى مجتمعات لا تشارك بطبيعة موقعها المتأخر تكنولوجياً فى صياغة فضاء المعلومات الذى يبحر فيه عقل الطفل.

·   عاشراً: أن ما يفعله الحاسب وفضاء المعلومات مع العقل الإنسانى يكاد يشابه إلى حد بعيد ما يفعله التحليل النفسى مع هذا العقل، فالعقل الإنسانى يألف نفسه بأسرع وأقوى مما يألف محيطه الاجتماعى والطبيعى، وهذه الألفة التى يكونها العقل مع نفسه إنما تقف حائلاً فى كثير من الأحيان أمام أى جهد إنسانى للتعرف على الذات؛ ومن ثم فإن ما يفعله الحاسب والتحليل النفسى كلاهما هو تفكيك هذه الألفة التى يكتسبها العقل الإنسانى مع نفسه، بما يجعله – بعد التفكيك – قادراً على أن يرى غير المعتاد وقد صار مألوفاً، وأن يرى ما كان مألوفاً وقد صار غريباً عنه؛ وربما كان انتشار الحاسبات وزيادة معدلات التفاعل مع شبكة الإنترنت هما السبب – من كثرة ما تعودنا وألفنا – فى ضعف إحساسنا بهذا الدور الخطير الذى تمارسه هذه التكنولوجيا على العقل الإنسانى بصفة عامة، وعلى عقل الطفل على وجه الخصوص.

نخلص من هذه الملاحظات العشر إلى إن التعامل مع الحاسبات باعتبارها مجرد “أدوات” هو المسؤول عن انجرافنا نحو الاعتقاد بأن لا تأثير لهذه التكنولوجيا المتطورة على التكوين النفسى والعاطفى والعقلى للإنسان بصفة عامة، وعلى تكوين الطفل بوجه خاص باعتباره إنساناً فى مرحلة التكون النفسى والعاطفى والعقلى؛ بيد أن سؤال “الاغتراب” فى هذا السياق يبدو مع التأمل فيه سؤالاً مراوغاً يكاد يوحى بإجابته، إذ يوحى بأن الطفل حال اغترابه عن الواقع إنما يغترب عن ذاته “الواقعية”، ثم هو يصادر فى نفس الوقت إمكانية أن يكون هذا “الاغتراب” عن الواقع أداة تفكيك لتآلف العقل مع نفسه، وأداة تمكين للطفل من “الاقتراب” من ذات أخرى يتآلف معها هى ذاته “الحقيقية”!

غير أن خطر انخداع الطفل فى مرحلة تكونه العقلى والوجدانى بذوات “زائفة” يبقى قائماً كما هو قائم بالنسبة للإنسان البالغ، دون أن ينفى هذا الخطر خطر الانخداع بالذات الواقعية باعتبارها الذات الحقيقية للطفل، أى للإنسان وهو فى مرحلة تشكل الوعى بذاته؛ ومثلث الذات هذا بأضلاعه “الواقعية” و”الحقيقية” و”الزائفة” إنما يمثل التحدى الأكبر بالنسبة للمجتمعات الواعية بطبيعة التحولات النفسية والاجتماعية وارتباطها بالتحولات التكنولوجية؛ فالأمور تتطور متأثرةً بأنماط التفاعل التى ارتضاها المصنعون ومطوروا الوثاريات، وكان يمكن لها وهى بالفعل قابلة لأن تتطور فى اتجاه مغاير لو أن سياسات واختيارات أخرى بديلة شكلت البيئة التى يتعامل من خلالها الطفل مع فضاء المعلومات.

تبقى فى النهاية حقيقة تكاد تكون مؤكدة، وخطران يكادا يصادران أى حل حكيم لإشكالية الاغتراب والاقتراب، أو هى إشكالية الصراع بين صور الذات الواقعية والحقيقية والزائفة؛ فأما الحقيقة فهى أن الأطفال فى عصر الإنترنت سيكون لهم – شئنا هذا أم أبينا – حياة موازية، أو ذوات ثانية غير تلك التى تتكون بفعل ما يألفه عقل الطفل فى محيطه الاجتماعى “الواقعى”؛ وأما الخطران فأولهما خطر الانصراف عن القيمة الكامنة فى هذه التكنولوجيا وعن قدرتها على التفاعل مع العقل الإنسانى، خاصة فى مرحلة التشكل والتكوين؛ وثانى الخطرين هو خطر الوقوع ضحية التصور الخاطئ بأن الذات الواقعية للطفل هى ذاته الحقيقية، وإنكار أن الذات الحقيقية تنشأ من فك تآلف العقل الإنسانى مع نفسه، خاصة عقل الطفل الذى صار يعانى فى عصر الإنترنت من اغترابين: اغتراب عن الواقع واغتراب عن الذات الحائرة حتى إشعار آخر بين ما هو صورة زائفة وما هو صورة واقعية لها … وكلاهما لا يعبر بالضرورة عن ذاته الحقيقية.

 

[1]  MIT Initiative on Technology and the Self

[2]  Nanotechnology

[3] Sherry Turkle; “The Second Self: Computers and the Human Spirit”; Twentieth Anniversary Edition; 2005 (The MIT Press – Cambridge, Massachusetts)

First Edition: 1984 (Published by Simon & Schuster, Inc. – New York)

[4] Sherry Turkle; “Life on the Screen: Identity in the Age of the Internet”; 1997 (Simon & Schuster, Inc. – New York)

[5] Sherry Turkle (ed.); “Evocative Objects: Things We Think With”; 2007 (The MIT Press – Cambridge, Massachusetts)

[6] Manuel Castells; “The Rise of the Network Society” (Volume 1 of “The Information Age: Economy, Society and Culture” Trilogy); 2000 (2nd Edition) (Wiley-Blackwell – New York)

[7] Manuel Castells; “The Power of Identity” (Volume 2 of “The Information Age: Economy, Society and Culture” Trilogy); 2004 (2nd Edition) (Wiley-Blackwell – New York)

[8] Manuel Castells; “End of Millenium” (Volume 3 of “The Information Age: Economy, Society and Culture” Trilogy); 2000 (Wiley-Blackwell – New York)

[9]  Slavoj Žižek; “Interrogating the Real”; 2007; (Continuum – London/New York)


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.